فخر الدين الرازي
203
تفسير الرازي
بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل . فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده * ( علمه مما يشاء ) * . قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء كان نبياً أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( وقل رب زدني علماً ) * ( طه : 114 ) ثم قال تعالى : * ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) * . اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده ، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال : * ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( ولولا دفع الله ) * ( البقرة : 25 ) بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج * ( ولولا دفع الله ) * وقرآ جميعاً * ( إن الله يدفع عن الذين آمنوا ) * ( الحج : 38 ) بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا * ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) * بالألف ، وقرأ نافع * ( ولولا دفاع الله ) * و * ( إن الله يدافع ) * بالألف . إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : * ( ولولا دفع الله ) * ، * ( إن الله يدفع ) * فوجهه ظاهر ، وأما من قرأ : * ( ولولا دفاع الله ) * ، * ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) * فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعاً لصاحبه ومانعاً له من فعله ، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما : أنه مصدر لدفع ، تقول : دفعته دفعاً ودفاعاً ، كما تقول : كتبته كتباً وكتاباً ، قالوا : وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحاً ، وطمح طماحاً ، وتقول : لقيته لقاء ، وقمت قياماً ، وعلى هذا التأويل كان قوله : * ( ولولا دفاع الله ) * معناه ولولا دفع الله . والقول الثاني : قول من جعل دفاع من دافع ، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة ، كما قال : * ( يحاربون الله ورسوله ) * ( المائدة : 33 ) ، * ( وشاقوا الله ) * ( الأنفال : 13 ) وكما قال : * ( قاتلهم الله ) * ( التوبة : 30 ) ونظائره والله أعلم .